الغزالي
483
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
إليهم ، ألم يشاطروكم الثمار ؟ ألم يوسعوا عليكم في الديار ؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة ؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم ، وليتجاوز عن مسيئهم ، ألا ولا تستأثروا عليهم ، ألا وإني فرط لكم ، وأنتم لاحقون بي ، ألا وإن موعدكم الحوض ، حوضي أعرض مما بين بصرى والشام وصنعاء اليمن ، يصب فيه ميزاب الكوثر ، ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وألين من الزبد ، أحلى من الشهد ، من شرب منه لم يظمأ أبدا ، حصباؤه اللؤلؤ ، وبطحاؤه المسك ، من حرمه في الموقف غدا حرم الخير كله ، ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا ، فليكفف لسانه ويده مما ينبغي » . فقال العباس : يا نبي اللّه أوص بقريش . فقال : « إنما أوصي بهذا الأمر قريشا ، والناس تبع لقريش ، برّهم لبرّهم وفاجرهم لفاجرهم ، فاستوصوا آل قريش بالناس خيرا ، يا أيها الناس إن الذنوب تغير النعم ، وتبدل القسم ، فإذا برّ الناس بروهم ، وإذا فجر الناس عقوهم . قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » . وروى ابن مسعود رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأبي بكر رضي اللّه عنه : « سل يا أبا بكر » فقال : يا رسول اللّه دنا الأجل ؟ فقال : « قد دنا الأجل وتدلى » فقال : ليهنك يا نبي اللّه ما عند اللّه فليت شعري عن منقلبنا . فقال : « إلى اللّه وإلى سدرة المنتهى ثم إلى جنّة المأوى ، والفردوس الأعلى ، والكأس الأوفى ، والرفيق الأعلى ، والحظ والعيش المهنا » . فقال : يا نبي اللّه من يلي غسلك ؟ قال : « رجال من أهل بيتي ، الأدنى فالأدنى » قال : ففيم نكفنك ؟ قال : « في ثيابي هذه ، وفي حلّة يمانية وفي بياض مصر » فقال : كيف الصلاة عليك منا ؟ وبكينا وبكى ثم قال : « مهلا ، غفر اللّه لكم ، وجزاكم عن نبيكم خيرا ، إذا غسلتموني وكفنتموني ، فضعوني على سرير في بيتي هذا ، على شفير قبري ، ثم اخرجوا عني ساعة ، فإن أول من يصلي عليّ اللّه عزّ وجل هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ « 2 » ثم يأذن للملائكة في الصلاة عليّ . فأول من يدخل عليّ من خلق اللّه
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 129 . ( 2 ) سورة الأحزاب ، الآية : 43 .